وهبة الزحيلي

27

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

لتحقق الاستقبال والتوجه شطر المسجد الحرام ، وأما النظر إلى هذه المواضع فلمنع المصلي أن يتشاغل في الصلاة بغيرها إذا لم يحصر بصره في هذه الجهات التي عينوها للنظر . وبهذا الأمر : فَوَلِّ وَجْهَكَ . . نسخ التوجه إلى بيت المقدس . وأرشدت الآية ( 145 ) إلى أن زحزحة أهل الكتاب عن دينهم أو قبلتهم أمر ميئوس منه ، مهما حاول الإنسان إقناعهم ، لأنهم كفروا وقد تبين لهم الحق ، ولا تنفعهم الآيات ، أي العلامات الدالة على صدق رسالة الإسلام ووجوب اتباعه ، وأنه لو أقام النبي عليهم كلّ دليل على صحة ما جاءهم به ، لما اتبعوه وتركوا أهواءهم كما قال اللّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ ، وَلَوْ جاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذابَ الْأَلِيمَ [ يونس 10 / 96 - 97 ] . وقوله تعالى : وَما أَنْتَ بِتابِعٍ قِبْلَتَهُمْ لفظ خبر ، ويتضمن الأمر ، أي فلا تركن إلى شيء من ذلك . ثم أخبر اللّه تعالى أن اليهود ليست متّبعة قبلة النصارى ، ولا النصارى متّبعة قبلة اليهود ، وهذا دليل على اختلافهم وتدابرهم وضلالهم . والخطاب في قوله تعالى : وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ . . للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمراد بعض أمته ، وهو من يجوز أن يتّبع هواه ، فيصير باتباعه ظالما ، وليس يجوز أن يفعل النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ما يكون به ظالما ، فهو محمول على إرادة أمته ، لعصمة النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ويقيننا أن ذلك لا يكون منه ، وخوطب النّبي صلّى اللّه عليه وسلّم تعظيما للأمر ، ولأنه المنزل عليه القرآن . وكذلك قوله تعالى : فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ أي الشاكّين ، الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، والمراد أمته . ومما يوضح عناد أهل الكتاب واستكبارهم عن قبول الإسلام أو الحق : أنهم ولا سيما علماؤهم يعرفون نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم وصدق رسالته ، كما يعرفون أبناءهم ،